المنطق التبريري

فبراير 17th, 2008 كتبها nour alhaq نشر في , مقالات دكتور محمد البدري

المنطق التبريري

بقلم: د.محمد محمد بدري

حين نعاني مرضاً فكريّاً فرديّاً، قد يــرى بـعـضـهـم الصمت حياله هو الواجب.. أمّا حين يكون المرض الفكري وباءً يشل فعالياتنا ويضيّع جـهــودنـــا، فــلا تعطي ثماراً بقدر الثمن المدفوع، فإنّ الكلام هنا يكون هو الواجب..
وهـذا المقال محاولة للتوفيق بين واجب الصمت وواجب الكلام في عــلاج وبــاء الـمـنـطـق التبريـري في عملنا الإسلامي، ليحل محله المنطق العملي الذي يدفعنا إلى إتقان العمل بدلاً من تبرير الفشل.. ويعلّمنا ممارسة عبودية الأخذ بالأسباب التي هي أحد مفردات عبودية التوكل.
لقد شــاءت إرادة الله أن تحكم الكون سنن في غاية الدقة والعدل والثبات، لا يجدي معها تعجل الأذكـيـــاء ولا أوهام الأصفياء، فهي لا تحابي أحداً من الخلق مهما زعم لنفسه من مسوغات المحاباة..
ومن سنن الله الثابتة أنّ لكل حادث سبباً، ومن وراء الأسباب تدبير اللطيف الخبير..
فالنجاح في الوصـــول إلـى الأهــداف يرتبط بالوسائل الموصلة إليها، وليس بأمور سحرية غامضة الأسباب، والمنتصر في أمور الدنيا هو من يأخذ بأسباب النجاح سواء أكانت أهدافه سليمه أم لا {كُلاً نُّمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} [سورة الإسراء: 20].
وقد كانت انتصارات المسلمين فـي "اليرموك" و"القادسية" و"عين جالوت" وفق تلك السنن الثابتة.. وحين طرأ الخلل على سنن النصر الثابتة، كانت هزائم المسلمين في "أحد" و"حُنين" و"الجسر".
بل إنّ ذاكرة تاريخ المسلمين تحفـــظ أنّ هزيمتي "أحد" و"حنين" كانتا والنبي صلى الله عليه وسلم بين صفوف المسلمين يقودهـم، ليعلم من سيرث الأرض من المؤمنين أنّ الخلل حين يقع في صفوف المسلمين تنطبق عليهم سنن الله.
ونحن نجزم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهزم قط.
في "أحد": رتّب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمور، ورسم الخطة العسكرية التي حقق الله بها النصر، ولكن الرماة ـ الذين اجتهدوا فأخطؤوا ـ هم الذين أضاعوا النصر.. فكانت الهزيمة التي تعلمنا منها أنّ صــلاح العقـيــدة أهـم أسباب النصر، وأنّ من صلاح العقيدة الأخذ بالأسباب وطاعة القائد.
وفـي "حُـنـيـن": لم ينهزم النبي صلى الله عليه وسلم، وإنّما الذين انهزموا هم حديثو العهد بالإسلام الـذيــن أُعـجـبــوا بكثرة العدد ورأوا فيه سبب النصر، وغفلوا عن مُسبب النصر.. ومع ذلك نصر الله نبيه ببقية من أصحابه المخلصين، لتعلم هذه الأمة أنّ النصر لا يكون إلاّ بالصفوة المختارة التي بلغت قمة التجرد لله وغاية الإخلاص لدينه.
وأمّا موقعة "الجسر": فهي درس عظيم جدير بالتأمل والتدبر..
لقد خرج أبو عبيد بن مسعود الـثـقـفــي رضي الله عنه على رأس جـيش لقتال الفرس، فأرسل رستم إليه بهمن بن جازويه برسالة يقول فيها: "إمّا أن تعبر الـنـهــر نهر الفرات إلينا وندعكم والعبور، وإمّا أن تَدَعُونا نعبر إليكم"،.. فنهى النّاسُ أبا عـبـيد عن العبور.. فلجّ وترك الرأي والمشورة، وقال: "لا يكونون أجرأ منّا على الموت".. فعبر إلـيـهـــم فضاقت الأرض بأهلها.. واشتد الأمر على المسلمين.. حتى إن أحد فيلة الفرس وطئ أبا عبيد فقُتل شهيداً.. وتتابع على أخذ اللواء سبعة أنفس من ثقيف فقاتلوا حتى الشهادة، وذهبت ريح المسلمين وانكشف أمرهم، وخسروا في هذه المعركة أربعة آلاف مقاتل.. وكانت خـســـــارة كبيرة للمسلمين كلهم، أحس بعظمها خليفة المسلمين عمر بن الخطاب فقال: "اللّهم إنّ كل مسلم في حل مني، أنا فئة كل مسلم، يرحم الله أبا عبيد لو كان عبر فاعتصم بالخيف، أو تحيز إلينا، ولم يستقل (يعني برأيه) لكنّا له فئة".
..
نـعـم لقد عبر أبو عبيد الجسر بشجاعة وإقدام وإيمان وحب للشهادة، لكنه لم يحسب للمعركة حسابها، ولم يدرس أرض المعركة بشكل كاف، وزاد على ذلك بمخالفته لمن معه من أركــان الجيش الذين نهوه عن العبور، فلم ينته واستقل برأيه، فكانت هزيمة الجسر التي علـمـتـنا أن النصر مع الإقدام يرافقه، ولكن مع التبصر والأناة، وبعيداً عن الاندفاع الذي يهلك الجـنــــد ويأتي بالهزيمة، ذلك أنّ الحماس لشيء ما لن يخدمه، ما لم يكن مشفوعاً بأسلوبه الفني الذي يحققه.
تلك بعض هزائم الـمـسـلـمين، وهذه بعض أسبابها.. ونحن لا نريد هنا أن نعرض لهزائم المسلمين بكلياتها وجزئياتها، فذلك موجود في مظانه من كتب السير والمغازي، وإنّما هي مواقف مختارة أردنا منها التأكيد على أنّ سنن الله التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف، وأنّ الأمور لا تمضي جزافاً، وإنّما تخضع لعلاقة تلازم بين الأسباب والنتائج، ولذلك فإنّ تخلف النتائج في أي أمر نُـقـــدم عليه لابد أن يدفعنا إلى خطوتين:
الأولى: هو أن نفترض حدوث خطأ في

المزيد