الاتجاه الفكري عند الإمام حسن البنا
أ/ أحمد عبد المجيد
لقد اكتسحت سحابة سوداء عاتية اجتاحت بلاد الإسلام في القرن التاسع عشر و حوالي منتصف القرن العشرين، فاحتلت أرضه و دنست ترابه جحافل الغرب الصليبي الحقود، وتوزعت أسلابه و قسمت أقطاره بين تلك الدول "المستعمرة" لإذلال شعوبه و نهب ثرواته، مع الجهد المضني و التخطيط و التنفيذ لطمس هويتها الإسلامية و إحلال الثقافة و العادات و التقاليد العلمانية، و عزل الدين عن واقع الحياة، إلا من النذر اليسير من الاحتفال بالمناسبات (1) و حصر الإسلام داخل جدران المساجد.
ثم قام بدور الإجهاز على الخلافة مصطفى كامل (أتاتورك) فقام بفصل الدين عن الدولة عام 1922 ثم أعقب ذلك بإلغاء الخلافة و طرد الخليفة و أسرته خارج تركيا (2).
وساد الفساد والاستبداد وسياسة التغريب في مصر ز(3)
وفي هذا الجو السائد في تركيا ومصر ، بل في العالم الإسلامي كله قامت حركة الإخوان المسلمين بالإسماعيلية عام 1928 على يد رائدها الملهم (4) الشيخ حسن البنا (رحمه الله تعالي)فانتشرت بسرعة فائقة في جميع إنحاء مصر ،بل خارج مصر في بلاد كثيرة –بفضل الله تعالي-ثم بتأثير الإمام حسن البنا وشخصيته المؤثرة الأخاذة ،وقد بذل جهداً كبيراً فكون قاعدة عريضة مترابطة متحابة متعاونة.
إلا أن هذه الفترة وما بعدها كان يغلب عليها روح الدعوة العامة المتأثرة بالخطب والمواعظ،واستثارة العواطف ،واستجاشة المشاعر ،مع تأدية الخدمات الاجتماعية في المجتمع ،ولم تتم التربية وإعداد القاعدة الصلبة التي تقوم بتربية وإعداد الأفواج المتدفقة القادمة بالإضافة إلي جانب قلة الوعي السياسي ومعرفة مخططات الأعداء ودراسة سياسة التغريب والغزو الفكري،ومع انتشار الفساد الذي عمت به البلوى وانتشر في الأمة،والذي لم يقتصر علي فساد في السلوك والأخلاق ،بل إلي ما هو أخطر من ذلك ،وهو الفساد في التصور والمفاهيم ،وكان يغطي ذلك كله غطاء من التقاليد المختلفة ،فأقبل الناس علي الدعوة الجديدة بحماس شديد دون وجود للكوادر القادرة علي استيعاب وتربية وإعداد الوفود القادمة ،باستثناء شخصية الإمام حسن البنا رحمه الله تعالي.
وهنا نتساءل هل هذا هو التوجه السائد الوحيد في اتجاه وفكر الإمام حسن البنا رحمه الله،أم هناك اتجاه آخر ،أو اتجاه ثالث لذلك .
-يمكن القول أن هناك اتجاه فكري معين يحكم دعوته ويسير وفق منهجه ويتحرك في ضوئه ،ونبين هنا بإيجاز الاتجاهات الثلاثة والتي كان يسير في أحدها أو بعضها حسن البنا رحمه الله ،ونتحدث علي الاتجاه الفكري لكل حالة،مع الإشارة للرأي الراجح أو الغالب في ذلك :
1-الاتجاه الدعوي العام :
يتسم هذا الاتجاه الذي صاحب الدعوة في مراحلها الأولى، و سارت عليه بعد ذلك، بالدعوة العامة العلنية، و إصلاح الفساد السائد، و ظلم الحاكم و الحاشية و يقوم علي التجميع و الحشد للأفراد، و انضمامهم للجماعة، دون تأصيل يذكر للقضايا المطروحة.
كل ذلك و غيره كان يسير من منطلق أن الجماعة جزء و كيان ينبثق عن السلطة الحاكمة والمجتمع، تحاول فقط إصلاح الخلل، لا تغييره، أي كل هؤلاء مسلمين مكتملي الإيمان و نحن منهم ينقصهم سد النقص الكائن في الجسم و محاولة علاجه.
و استدلالا لذلك نقول بعض الأمثلة، وغيرها كثير أكثر من أن تعد أو تحصى:
أ- الإمام البنا تحت عنوان (حامي المصحف) مخاطبا الملك فاروق:".. و أن الله قد اختار لهذه الهداية العامة فاروق ، فعلى بركة الله يا جلالة الملك و من و رائك من جنودك".(5)
و تحت عنوان :" الفاروق يحيي سنة الخلفاء الراشدين" نشرت مجلة النذير في عددها الصادر في 15 رمضان 1357الموافق 1938م .
و في مجلة الدعوة(6) :".. عيد الجلوس الملكي ، تحتفل مصر اليوم بعيد الجلوس حضرة صاحب الجلالة الملك و إلى الأسرة المالكة أجل تهانينا".
و عقد الإخوان مؤتمرهم الرابع عام 1937 بمناسبة تتويج فاروق خلفا لوالده وللاحتفال بهذه الذكرى".(7)
هذا و غيره كثير يعطي صورة لمدى الولاء و المداهنة للسلطة و على رأسها الملك فاروق، رغم ما اشتهر عنه من الفساد و الانحلال.
و لا شك أن الولاء و الرابطة – من باب أولى- بينهم وبين الناس أقوى و أعظم من ذلك بكثير، و هم جزء لا يتجزأ من هذا الكيان، يدعون لاستكمال النقص الغائب عن الناس و غالبا في أمور فرعيات.
2- التأصيل والتميز:
و هذا الرأي للاتجاه الفكري عند الأستاذ حسن البنا و هو عكس الأول حيث أن الدعوة قائمة على أساس التأصيل الشرعي و استيفاء الشروط الأساسية في الإسلام و قائمة على أساس التميز عن سلطة الدولة و كيان المجتمع و يستند أصحاب هذا الرأي لعدة أمور لإثبات ذلك:
أ- أن الأستاذ البنا رحمه الله بدأ بت













