مستقبل الدعوة الأسلامية

كتبهاnour alhaq ، في 15 يناير 2008 الساعة: 18:26 م

مستقبل الدعوة الأسلامية

قراءة من كتاب  الفكر الاسلامى المعاصر

للاستاذ / محمد قطب "حفظه الله"

موضوع يشغل المسلمين كثيرا .. ويشغل أعداءهم كذلك !

بل إن أعداءهم قد يكونون أكثر انشغالا به فى الوقت الحاضر من المسلمين أنفسهم ،الذين تعودوا فى فترة الركود والانحسار الحالية أن يعيشوا اللحظة الحاضرة ، ولا ينظروا الى المستقبل ، وحتى اللحظة الحاضرة يعيشونها عفويا بغير تدبر سابق ولا نظر فيما يصح بشأنها وما لا يصح !

والأعداء فوق ذلك يخططون .. يخططون لمحاولة القضاء على الإسلام ، أو فى القليل تحجيمة بحيث يكون وجودة كلا وجود ،ولا تكون لة فعالية حقيقية فى سير الأحداث .

وهذا كلة يستوجب من المسلمين أن يفكروا ويدرسوا ، ويكون لهم تصور واضح لسير الأحداث .

 

المستقبل غيب ..والغيب لله وحدة ..

"قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ "(65) سورة النمل

نعم .. ولكن للغيب إرهاصات وتوقعات هى التى يعمل فى نطاقها العقل البشرى ، دون أن يتعداها قط إلى اليقين ، الذى يبقى دائما ملكا لله سبحانة ، يؤيد بة توقعات البشر أوينقضها من أساسها ..

وللة كذلك سنن يجريها فى خلقة .. ومن رحمته سبحانه أنة ثبّت تلك السنن . ليتعامل الناس على بصيرة مع مقتضياتها ، سواء فى الكون المادى أو فى الحياة البشرية ، وإن كانت مشيئة الله دائما طليقة فيجرى هذة السنة أوتلك ، ويقدر ما يشاء لمن يشاء .

وفى حدود ذلك كلة نتحدث عن مستقبل الدعوة الإسلامية .

 

لعل الأمور الآن أوضح فى واقعها ، وفى تصور أصحابها مما كانت علية قبل نصف قرن من الزمان حين بدأت الصحوة الإسلامية . فقد زال الغبش - أن ينبغى أن يكون قد زال - عن أمور لم تكن بهذا الوضوح عند بدء الصحوة ، سواء بالنسبة للدعاة أنفسهم أولأعدائهم .

وقد حاول كثيرون أن يعطوا تقويما للحركة الإسلامية : ماذا أنجزت ؟ وما الذى عجزت عن إنجازة ؟ ومدى مسؤليتها عن العجز فيما عجزت فية ، وأن يعطوا كذلك توقعاتهم بالنسبة لمستقبل الحركة الإسلامية .

 والمطلوب الآن ،مراجعة أدق للماضى ، تلقى أضواء كاشفة على الحاضر بكل أبعادة ، وتعطى فى الوقت ذاتة تقديرا لتوقعات المستقبل ، لا يعتمد على الأمانى ولا الرغبات الذاتية بقدر ما يعتمد على رؤية دقيقة ودراسة للتيارات العالمية ،وأدواتها وأساليبها ، والمتوقع من تأثيراتها على الإسلام والمسلمين .

 غنى عن البيان أن هناك حربا ضارية مشبوبة ضد الإسلام والمسلمين فى الوقت الحاضر . وهى حرب صليبية صهيونية مهما حاول أهلها أن يخفوا وجهها القبيح تحت مختلف اللافتات والعناوين ، ومهما حاول الإعلام العربى ، المنقول نقلا حرفيا عن الإعلام الغربى ، أن يجارى الغرب فى إخفاء الوجة القبيح لهذة الحرب ، والبحث عن تعلات لها غير أسبابها الحقيقية .. وسنتكلم عن مجريات هذة الحرب فى فصل قادم بعنوان "الحرب الصليبية المعاصرة". ولكن حسبنا هنا أن نثبت وجودها ثم نتطرق إلى ما نتوقعة من أثارها فى المستقبل القريب ثم المستقبل البعيد .

فأما فى المستقبل القريب فنتوقع اشتداد الحرب ، والاستمرار فى محاولة استئصال الحركات الإسلامية من جذورها فى الأرض الإسلامية . وأما فى مستقبل قد لا يكون بعيدا فنتوقع اتساعا فى الحركة الإسلامية ، وتمكينا لها فى أكثر من مكان فى الأرض ، على الرغم من الحرب المشبوبة،أو ربما بسبب تلك الحرب!!

ونحن هنا كما قلنا فى المقدمة - لا نقدم دراسة للقضية ، إنما نقدم تعريفا لها ، ثم دعوة للكتاب والمفكرين أن يدرسوها دراسة وافية ، ثم يطلعوا الناس على نتيجة دراستهم ، ليكون هذا معينا للحركة الإسلامية لتدعو على بصيرة،وتتحرك على بصيرة .

"قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (108) سورة يوسف

لقد خططت أوربا الصليبية ودبرت للقضاء على الدولة العثمانية طيلة مائتى عام على الأقل ، وأفلحت فى النهاية فى القضاء عليها بعد جهاد طويل .. وكان فى تفكيرهم -وتقديرهم- أنهم أذا قضوا على الدولة العثمانية فإنهم يقضون على الإسلام كذلك ، بعد إزالة الدولة الحامية،التى هى فى الوقت ذاتة عصب التجمع الإسلامى ورايتة وممثلتة،المحافظة على وحدتة،الممسكة فى يدها الرباط الذى يربط الأجزاء بعضها ببعض،ويربطها جميعا بربط الإسلام.

وبالفعل أحدث انهيار الدولة العثمانية زلزالا هائلا فى العالم الإسلامى،وسارعت معاول الهدم تستغل الزلزال لتكمل التدمير..

ولكن الصليبية فوجئت بالصحوة الإسلامية ردا على الجهد الجاهد الذى بذلتة فى القضاء على الدولة العثمانية،فجن جنونها،وأقبلت تضرب ضربات حادة مجنونة تحاول بها القضاء على الصحوة،التى جاءتهم على غير انتظار.

وفى هذة الحرب كان عنصرا آخر يعمل لحسابة الخاص،ولكنة يعمل فى تحالف كامل مع الصليبية،ذلك هو الصهيونية العالمية،التى اشتركت اشتركا جوهريا فى القضاء على الدولة العثمانية بهدف الإستيلاء على فلسطين وهذة أيضا جن جنونها من الصحوة الإسلامية،فاشتركت-بكل قوتها- فى توجية الضربات الحادة المجنونةالتى تهدف للقضاء على الصحوة،واستخدمت براعتها الشيطانيةفى مجال الإعلام إثارة حرب عالميةضد الإسلام..

وهذا هو الحاضر الذى نعيشة فى لحظتنا الراهنة،والذى يلقى ظلالة على المستقبل القريب،بكثافة أكبر،وعتامة أكثر.. أى مزيدا من الحرب،ومزيدا من الضربات الحادة المجنونة ..

 

إلى متى يتوقع أن يستمر الأمر على هذة الصورة ؟!

من الناحية النظرية : حين يكون هناك صراع بين قوتين،أوتيارين متنازعين،فمن المتوقع أن يستمر الصراع حتى يتغلب أحد الخصمين على الآخر،أوييأس أحد الخصمين من القضاء على الآخر فيضطر الى معايشتة ولو على كرة منة.. وإذا طبقنا هذا على الصراع القائم اليوم بين الإسلام وأعدائة فلنا أن نتوقع أنة سوف يطول وسوف يزداد ضراوة على الأقل من الجانب الذى يملك القوة الظاهرة.. أى القوة المادية ..

ذلك أن الحركات الإسلامية لم تستطع حتى الآن - بكل وسائلها - أن تزيح النظم الحاكمة المعادية لها فى المنطقة الإسلامية،فضلا عن أن تقف عدوان النظام العالمى عليها يستوى فى ذلك النظام العالمى القديم أو النظام العالمى الجديد فلا فارق بانسبة للإسلام بين النظامين،كلاهما معاد وكلاهما لا يكف عن العدوان،لأنة هو ذاتة الصليبية الصهيونية المسيطرة على الأرض اليوم ، سواء كانت ذات قطب واحد أوقطبين أو أكثر فهم قد يتنازعون بينهم على مصالحهم المتعارضة ، ولكنهم إزاء الإسلام يد واحدة ،وعصبة واحدة، ومصلحة واحدة مشتركة .

من الجانب الآخر فإن أعداء الإسلام-بكل وسائلهمبما فى ذلك الإضطهاد والقتل والتعذيب والتشريدوتجفيف المنابع- لم يستطيعوا حتى الآن أن يوقفوا المد الإسلامى المتنامى كما كانوا يشتهون،فضلا عن أن يقضوا علية القضاء المبرم ويقتلوة من جذورة .

ومقتضى ذلك أن يستمر الصراع من الجانبين إلى أن تحدث الغلبة أو اليأس من الغلبة كما أشرنا قبل قليل،ولا هذا ولا ذاك متوقع فى المستقبل القريب !

إذا تصورنا ذلك فلنا أن نتصور كذلك أشتداد الحرب لا مجرد أمتدادها،واشتداد ضراوتها ضد الإسلام والحركات الإسلامية،لأنها حرب المحنق المغيظ،لا حرب العاقل الذى يتدبر بعقلة نتائج أفعالة.

وسبق أن قلنا إن الحنق والغيظ قد استولى على الغرب الصليبي حين فوجىء بالصحوة الإسلامية فى اللحظة التى كان يمد يدة لاقتطاف ثمرة الجهد المضنى الذى بذلة طيلة مائتى سنة على الأقل لإزالة الدولة العثمانية،طمعا فى أن إزالتها سوف تقضى على الإسلام ذاتة.. فلما فوجىء بالصحوة بدلا من الموت ، كان طبيعيا بالنسبة إلية أن يحتنق ويغتاظ .

ثم إن الحنق والغيظ حرى أن يزداد حين يبذل الغرب الصليبى-ومعة الصهيونية العالمية - كل جهودهما للقضاء على الصحوة فتستعصى علية - حتى الآن وتأبى أن تموت .

ولكن من هذة النقطة ذاتها نرى اختلاف المستقبل البعيد عن المستقبل القريب ، دون تحديد مدى معين،فكل تحديد هو رجم بالغيب،لا يدعية إنسان عاقل !

إن الشطط الذى ترتكبة الصليبية الصهيونية سيكون هو ذاتة وقودا لحركة اسلامية لا يستطيع الغرب الصليبي وقفها ولو استعان بكل الأعوان الذين يقومون اليوم بمعاونتة فى ممارسة شططة !

إن الانفجارات الكبرى فى التاريخ قد حدثت كلها حين استوى عند الناس الموت والحياة . والصليبية والصهيونية تدفع المسلمين - بحماقة - الى النقطة الحرجة التى يستوى فيها الموت والحياة !

حماقة الصرب فى بلاد البوسنة والهرسك ، ووقوف العالم الصليبى كلة ساكنا يتفرج،ومئات الألوف يبادون إبادة جماعية ، ويعذبون ويحرقون،ويعتدى على نسائهم ، ويقتّل أطفالهم أمام أعينهم ، فى الوقت الذى يمنع عن البوسنويين كل سلاح لكى لايتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم ، ولا وقف المجازر التى تحل بهم ، واستمرار ذلك لا أياما ولاأسابيع ولاشهور .. بل سنوات !

وما ارتكب فى كوسوفو من المجرمين ذاتهم،الذين لم يردعهم رادع،والعالم الصليبى فى بلادة وتراخ متعمد يتشاور ويتشاور ولا يصنع شيئا والمجازر على أشدها ..

وحماقة إسرائيل فى فلسطين فى القتل الجماعى ،وهدم البيوت على أصحابها ، وطرد أهلها منها،وتدنيس المقدسات،وأمريكا واقفة تساند الجرائم كلها التى ترتكبها اسرائيل،وتدافع عنها،وتمدها بالمال والسلاح بغير حساب ، وتعينها على إنتاج أسلحة الدمار الشامل بينما تشن الغارة على أماكن فى العالم الإسلامى بحجة الاشتباة فى إنتاج مواد يمكن أن تساعد فى إنتاج أسلحة لا توازى فى خطرها عشر معشار ما تملكة إسرائيل..

ووقوف الصليبية الصهيونية مع حماقة الهند فى هدم المساجد الأثرية وإقامة الأوثان بدلا منها ، وتقتيل المسلمين فى كشمير ، والإغارة على القرى المسلمة وإشعال النار على أهلها أحياء ، فإذا فروا من النيران قبضت عليهم بتهمة التخريب وزجت بهم فى السجون لتعذيبهم ..

 

وعشرات من الحماقات ومئات ، ترتكبها الصليبية الصهيونية يوميا ، سواء فيما يسمى "المحافل الدولية" حين تعرض قضية تمس المسلمين،أو فى العمل على تدمير اقتصاديات المسلمين وإذلالهم وسلب أقواتهم وتحويلهم عبيدا خاضعين للغرب ..

هذة الحماقات كلها ما نتيجتها ؟! ما نتيجتها حين يستوى عند الناس الموت والحياة إلا الانفجار،كما حدثت كل انفجارات التاريخ ؟!

فى أوائل الخمسينيات من هذا القرن ألقى المؤرخ البريطانى الشهير"توينبى" محاضرة عن الإسلام بعنوان "الإسلام والمستقبل" قال فيها إن الإسلام اليوم نائم نومة أهل الكهف ، ولكن النائم قد يستيقظ إذا وجدت دواعى اليقظة. وقد أثبت الإسلام وجودة فى مناسبتين كبيرتين فى الماضى ،الأولى حين اكتسح فى سنوات قليلة نصف الإمبراطورية الرومانية ،والثانية حين صمد للحروب الصليبية وانتصر عليها . واليوم- إذا استمر الغرب فى الضغط على [الشعوب البروليتاريةََ]1" - فقد يجد الإسلام الفرصة لتزعم ثورة تلك الشعوب على الضغط الغربى .. قال : وأرجو ألا يحدث ذلك !

نعم ولكن الذى كان يخشاة توينبى قبل نصف قرن يوشك اليوم أن يحدث بسبب استمرار الغرب فى حماقةالضغط على الشعوب الإسلامية إلى الحد الذى يولد الإنفجار .

هذا من ناحية ..

ومن ناحية أخرى فأن الأسباب التى أدت الى الصحوة ما تزال قائمة،ومن شأنها أن تظل قائمة !

إن الغرب ينظر الى الصحوة باستغراب - فضلا عن كونها شيئا غير مرغوب بطبيعة الحال ! - نظرا للجهد الذى بذلتة الصليبية الصهيونية فى القضاء على الدولة الإسلامية،والذى كانت تنتظر من ورائة القضاء على الإسلام بغير رجعة ..

فيستغرب الغرب الصليبى كيف أن هذا الجهد الجاهد كلة لم يؤت ثمرتة المرتقبة،وقامت الصحوة بدلا من الموت الذى كانوا يتوقعونة ..

ولئن كان الغرب "السياسى"قد استغرب حدوث الصحوة رغم الجهد الذى بذلة،فتلك على أى حال حماقة من حماقاتة !أما المفكرون منهم - من بين المستشرقين خاصة - فهم يعلمون !

"الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (146) سورة البقرة

 

يقول المستشرق "جب" فى كتابة "وجهة الإسلام" :" إن أخطر ما فى هذا الدين أنة ينبعث فجأة دون أن تعرف لماذا انبعث ، ولاالمكان الذى يمكن أن ينبعث منة "!

ونحن نذكر لة الأسباب ، وما نظنة غافلا عنها ، ولكنة - وأضرابة - لا يحبون أن يذكروها ، أو تذكر على مسامعهم!

إن هذا الدين ينبعث تلقائيا لأسباب كامنة فية ..

لأنة دين الفطرة .

ولأنة تجربة واقعية عاشتها الأمة وعايشتها قرونا متطاولة.

ولأنة يمثل فى ذاكرة الأمة أزهى عصورها ، وأعظم إنجازاتها ، وأروع أمجادها .

فإذا غفلت عنة الأمة فترة من عمرها - لأسباب ليست كامنة فى الدين ذاتة ، وإنما هى كامنة فى مسيرة الأمة بهذا الدين - فهل يستغرب منها أن تصحح خطاها وتعود إلية ؟!

لقد كان المستغرب منها أن تحيد عنة ، وهو الذى مكن لها فى الأرض ، ورفع ذكرها فى العالمين . أما عودتها إلية فهى العودة إلى النبض الطبيعى الذى عاشت بة طوال القرون.

إنما يستغرب الغرب أمرالصحوة - بالإضافة إلى حنقة عليها - لأنة سلّط على الإسلام كل العوامل التى سلطّت على الدين فى الغرب فقتلتة أو حجمتة،فإذا هى لم تقتل الإسلام،بل أخذ ينطلق من جديد !

ولا ينظر الغرب - فى غفلتة - إلى الفارق بين الدينين ، وبين التاريخين .

إن أوربا لم تعرف قط دين الله المنزل على حقيقتة ، بينما الإسلام هو الدين الذى بقى على حقيقتة كما أنزل ،لأن الله تكفل بحفظ كتابة ، فحُفظ الدين بحفظ الكتاب .

وتاريخ أوربا مع دينها هو تاريخ قرونها الوسطى المظلمة ، بينما تاريخ المسلمين مع دينهم أيام تمسكهم بة على الوضع الصحيح هو تاريخ التقدم والحضارة والرفعة والنور .

ولذلك فإن البذور السامة التى سلطها اليهود على نزعة التدين فى أوربا فقتلتها - أو فى القليل حجمتها - ظلت بالنسبة للأرض الإسلامية نبتة غريبة ، تلفظها التربة دائما مهما وضع لها من المخصّبات ! ويشكو العلمانيون دائما من قلة من يستمع إليهم ، ويقرأ كتبهم - مع كون وسائل الإعلام كلها موضوعة بين أيديهم - بينما الكتاب الإسلامى هو أروج الكتب على الرغم من كل التعتيم الإعلامى المضروب علية ، واللقاء الدينى هو أكثر اللقاءات حضورا على الرغم من كل التشويش والتشهير الموجة إلية !

ومن ناحية ثالثة فإن الإسلام هو البديل الحضارى للحضارة الغربية الآخذة فى الانهيار .. ومن ثم فهو دين المستقبل ..

إن صراع الحضارات لا يعتمد على القوة المادية وحدها ، ولا تكون الغلبة فية للقوة المادية وحدها إلا إذا كان الأطراف المتصارعون مفلسين كلهم بدرجة واحدة فى مجال القيم ، فتكون الغلبة عندئذ للقوة الوحيدة التى يختلف وضعهم فيها ، وهى القوة المادية ، فينتصر من يملكها على من لايملك شيئا منها ، أو يملك منها ما لا غناء فية . أما حين يختلف أطراف الصراع فى القيم ، فيملكها بعضهم ويفتقر إليها بعضهم الآخر ، كما هو حال الحضارة الغربية اليوم ، فالأرجح أن ينتصر صاحب القيم ، ولو كان أقل قوة فى الجانب المادى ..

ومن كان فى شك من هذا فليراجع التاريخ ..

حين التقى الإسلام بالإمبراطوريتين " العظميين " فى وقتها ، فارس والروم ، فكم كانت قوة المسلمين المادية بالقياس إلى قوة الإمبراطوريتين ، سواء فى السلاح وفنون القتال ، أو فى التنظيمات الإدارية والسياسية التى تقوم عليها الدولة ، أو فى فنون الحضارة المادية من أدوات وآلات وفرش ورياش ومبان وطرق وتيسيرات مادية ..؟

ثم .. لمن كانت الغلبة فى الصراع ؟!

واليوم يوشك أن يتجدد الصراع ..أو هو قد تجدد بالفعل .. فماذا يتوقع من نتائجة ؟

 

هناك فارق بالطبع بين اللقاء الذى حدث فى الماضى واللقاء الذى يحدث اليوم .. ذلك أن الأمة الإسلامية ليست متخلفة فى الجانب المادى وحدة ، ولكنها متخلفة كذلك فى جانب القيم ، وإلى درجة لم يسبق لها مثيل فى التاريخ ! بحيث تبدو إلى جانبها الحضارة الجاهلية التى يملكها الغرب كأنها ذات قيم وذات أخلاق !!

 

لو تدبرنا الأمر بعيون مفتوحة فالغرب فى الحقيقة لا يملك إلا التقدم العلمى والتكنولوجى ، ولكنة صفر اليدين من القيم الروحية والأخلاقية ، وإن كان يتقن الحديث عنها بالصورة التى تخيل للمخدوعين أنها حقيقية !

وإلا فما هى القيم التى يملكها الغرب ؟

استخدام القوة فى البطش بالضعفاء وإذلال كرامتهم .. هل هذة حضارة؟

استخدام القوة فى استلاب أقوات الضعفاء وإرغامهم على بيع خاماتهم بأبخس الأثمان ثم بيعها لهم بعد تصنيعها بأغلى الأثمان للمحافظة على فقرهم وضعفهم وتبعيتهم .. هل هذة حضارة ؟

فرض "السيادة" على الضعفاء بعدم السماح لهم أن يكونوا أنفسهم ، أوتكون لهم شخصيتهم المستقلة أوأفكارهم أو عقائدهم باسم "العولمة" أو بأى اسم آخر ..

هل هذة حضارة ؟

محاربة فريق من البشر باسم التصدى للإرهاب ، والسماح لفريق آخر أن يمارس أبشع أنواع الإرهاب دون تصد ولا ردع ولا حتى استنكار .. بل بتأييد صريح وترحيب .. هل هذة حضارة ؟

استغلال القوة فى صنع كل نوع من أنواع السلاح الذى يحدث الدمار الشامل ، ومنع الضعفاء من أن يكون عندهم ما يدافعون بة عن أنفسهم إذا وقع عليهم العدوان ..هل هذة حضارة ؟

إعطاء الحق لدول بعينها أن تعترض - بحق الفيتو - على أى إدانة تلحق بها حين ترتكب جريمة من الجرائم التى تحرّمها على غيرها ، وإعطاؤها الحق فى الوقت ذاتة أن تدين من تشاء وتعاقب من تشاء .. هل هذة حضارة ؟

ما الفرق إذن بين هذة "الحضارة" وبين ما يجرى فى عالم الوحوش:القوى يأكل الضعيف،أويزيحة من الطريق

ومن جانب آخر ..

هذا الانحلال الخلقى المسفّ ، الذى لا مثيل لة فى إباحة كل أنواع الفواحش ، سوية وشاذة ، والتعالن بها ، حتى إن زعيم الدولة التى تزعم أن من حقها أن تقود العالم كلة ، يسف فى علاقاتة الماجنة ، ثم يقوم فريق من شعبة بالدفاع عنة ، بأن هذة حياتة الخاصة وهو حر فيها !.. هل هذة حضارة ؟!

هذة الأمراض النفسية والعصبية والقلق والانتحار والخمر والمخدرات والجريمة ..هل هذة حضارة ؟!

هذا الإعلام الساقط الذى يتفنن فى تزيين الفاحشة وإشاعتها بين الناس .. هل هذة حضارة ؟!

كلا والله !ما هذة حضارة وإن كثيرا من أنواع الحيوان ليتعفف عن كثير مما يمارسة أولئك "المتحضرون"

من اللهو والمجون والإسفاف البالغ أقصى الحدود !

تلك هى القيم الروحية والأخلاقية التى يملكها الغرب ..

حقا إنة يملك إيجابيات كثيرة ، هى التى أعطتة السيادة فى الوقت الحاضر ، ولكنها - حسب السنن الربانية - لا تعيش طويلا بغير قيم روحية وأخلاقية ، ومصيرها الدمار :

"فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (45،44) سورة الأنعام

 

البديل الحضارى الذى يملك القيم هو الإسلام ..

 

الإسلام هوالذى يدفع إلى التقدم العلمى والتكنولوجى دون أن يفقد الإنسان إنسانيتة ، أو يفسد فطرتة ، أو يسوقة الى الطغيان والاستكبار فى الأرض ، لأنة يأخذ الأنسان كلة بعنصرية فى آن معا : قبضة الطين ونفخة الروح ، ويحدوة الى بذل نشاطة بعنصرية معا فى آن واحد، فيعمل للدنيا والآخرة معا بلا تعارض ولاافتراق:

{"هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ  (15) سورة الملك

"وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (77) سورة القصص

 

"فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (112) سورة هود

وبذلك يبنى الحضارة الحقيقية ، التى تشمل نشاط الجسد ونشاط الروح ،وتشمل العلم والأخلاق ،وتشمل اكتساب القوة مع التواضع لله ، وتجعل الإنسان يمشى بكل طاقتة على الأرض وقلبة مشدود الى السماء .. فضلا عن كون حضارتة مفتوحة للبشر جميعا،لاتعرف التمييز العنصرى ،ولا العرقى ،ولا القومى ولا التعصب الدينى .. وشاهدها هو التاريخ !

ولكن الإسلام لا يحكم الأرض اليوم ، وحضارتة غائبة عن الوجود ، لأن جنودة ليس لهم حضور فى الأرض .. ولهذا يحكم الباطل الجاهلى ، وينتفش ويستكبر،ويملأ الأرض فسادا فى غياب المنهج الربانى الصحيح. ولكنا نتحدث عن واقع آخر غير الواقع القائم اليوم ..

نتحدث عن المستقبل ! ولا نتحدث عن المستقبل القريب ، الذى نتوقع فية مزيدا من الطغيان الغاشم الذى يحارب الإسلام ويحاول خنق الصحوة الإسلامية .

إنما نتحدث عن المستقبل الذى تستيقظ فية الأمة فيتحقق الإسلام مرة أخرى فى واقع الأرض ، فيصمد للصراع الوحشى ، فييأس المصارعون من قتلة ، فيتعايشون معة راغمين !

هذا المستقبل ليس بعيدا بالدرجة التى تنبهم فيها صورتة وتخفى على الرؤية ، وإن لم يكن قريبا بالدرجة التى يحلم بها الحالمون .. ففى الطريق كثير من العقبات .. ولكن المبشرات أقوى من المعوقات .

 

من المبشرات أن الصحوة ذاتها قد ولدت على إثر الجهد الذى بذلتة الصليبية الصهيونية للقضاء على الإسلام ..وهذا يشير الى اتجاة قدر الله فى هذا الأمر .

 

ومن المبشرات أن كل ما تبذلة الصليبية الصهيونية من الجهد فى الوقت الحاضر للقضاء على الصحوة لم يثمر إلا مزيدا من المد الإسلامى ، ومزيدا من الوعى بحقيقة موقف الغرب من الصحوة : موقف صليبي فى حقيقتة وإن تستر بكل اسم ليس لة ! وتساندة الصهيونية العالمية لحسابها الخاص .

 

ومن المبشرات أن الغرب الصليبي الصهيونى لا يكف عن ارتكاب حماقاتة ضد الإسلام والمسلمين !وهذا تدبير ربانى يدفعهم الله إلية ،بغفلة منهم ،لتكون هذة الحماقات دافعا لمزيد من اليقظة ، ومذيد من التجاء الأمة الى الله ،وعودتها الى الإسلام ! {اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (15) سورة البقرة

 

وبضربة قدر واحدة تتم ثلاثة أمور فى وقت واحد : يعاقب الله الأمة على تقاعسها عن تكاليف دينها ، { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (41) سورة الروم

ويستدرج الأعداء لمزيد من الطغيان {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } (25) سورة النحل. {وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} (141) سورة آل عمران

 

وفى النهاية.. فى موعد نراة غير بعيد بإذن الله ، حين تستكمل الصحوة وعيها ، وتأخذ امتدادها ، وتقدم النموذج الإسلامى الصحيح ، الذى يحقق المنهج الربانى فى عالم الواقع ، ويقدمة واقعا مشهودا لا أمانى ولا شعارات .. عندئذ يتحقق وعد الله الدائم لهذة الأمة :      

       

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (55) سورة النــور

إعداد ابو شادى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- كلمة الشعوب البوليتارية تعبير ابتدعة "توينبى"يقصد بة الشعوب الفقيرة المغلوبة على أمرها،التى لا تفكر فى الوقت ذاتة فى التخلص مما هى فية من فقرواستضعاف،وهو يقصد ما أصبح يسمى فيما بعد "العالم الثالث "

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتابات أبو شادي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر