الاتجاه الفكري عند الإمام حسن البنا
كتبهاnour alhaq ، في 11 يناير 2008 الساعة: 20:32 م
الاتجاه الفكري عند الإمام حسن البنا
أ/ أحمد عبد المجيد
لقد اكتسحت سحابة سوداء عاتية اجتاحت بلاد الإسلام في القرن التاسع عشر و حوالي منتصف القرن العشرين، فاحتلت أرضه و دنست ترابه جحافل الغرب الصليبي الحقود، وتوزعت أسلابه و قسمت أقطاره بين تلك الدول "المستعمرة" لإذلال شعوبه و نهب ثرواته، مع الجهد المضني و التخطيط و التنفيذ لطمس هويتها الإسلامية و إحلال الثقافة و العادات و التقاليد العلمانية، و عزل الدين عن واقع الحياة، إلا من النذر اليسير من الاحتفال بالمناسبات (1) و حصر الإسلام داخل جدران المساجد.
ثم قام بدور الإجهاز على الخلافة مصطفى كامل (أتاتورك) فقام بفصل الدين عن الدولة عام 1922 ثم أعقب ذلك بإلغاء الخلافة و طرد الخليفة و أسرته خارج تركيا (2).
وساد الفساد والاستبداد وسياسة التغريب في مصر ز(3)
وفي هذا الجو السائد في تركيا ومصر ، بل في العالم الإسلامي كله قامت حركة الإخوان المسلمين بالإسماعيلية عام 1928 على يد رائدها الملهم (4) الشيخ حسن البنا (رحمه الله تعالي)فانتشرت بسرعة فائقة في جميع إنحاء مصر ،بل خارج مصر في بلاد كثيرة –بفضل الله تعالي-ثم بتأثير الإمام حسن البنا وشخصيته المؤثرة الأخاذة ،وقد بذل جهداً كبيراً فكون قاعدة عريضة مترابطة متحابة متعاونة.
إلا أن هذه الفترة وما بعدها كان يغلب عليها روح الدعوة العامة المتأثرة بالخطب والمواعظ،واستثارة العواطف ،واستجاشة المشاعر ،مع تأدية الخدمات الاجتماعية في المجتمع ،ولم تتم التربية وإعداد القاعدة الصلبة التي تقوم بتربية وإعداد الأفواج المتدفقة القادمة بالإضافة إلي جانب قلة الوعي السياسي ومعرفة مخططات الأعداء ودراسة سياسة التغريب والغزو الفكري،ومع انتشار الفساد الذي عمت به البلوى وانتشر في الأمة،والذي لم يقتصر علي فساد في السلوك والأخلاق ،بل إلي ما هو أخطر من ذلك ،وهو الفساد في التصور والمفاهيم ،وكان يغطي ذلك كله غطاء من التقاليد المختلفة ،فأقبل الناس علي الدعوة الجديدة بحماس شديد دون وجود للكوادر القادرة علي استيعاب وتربية وإعداد الوفود القادمة ،باستثناء شخصية الإمام حسن البنا رحمه الله تعالي.
وهنا نتساءل هل هذا هو التوجه السائد الوحيد في اتجاه وفكر الإمام حسن البنا رحمه الله،أم هناك اتجاه آخر ،أو اتجاه ثالث لذلك .
-يمكن القول أن هناك اتجاه فكري معين يحكم دعوته ويسير وفق منهجه ويتحرك في ضوئه ،ونبين هنا بإيجاز الاتجاهات الثلاثة والتي كان يسير في أحدها أو بعضها حسن البنا رحمه الله ،ونتحدث علي الاتجاه الفكري لكل حالة،مع الإشارة للرأي الراجح أو الغالب في ذلك :
1-الاتجاه الدعوي العام :
يتسم هذا الاتجاه الذي صاحب الدعوة في مراحلها الأولى، و سارت عليه بعد ذلك، بالدعوة العامة العلنية، و إصلاح الفساد السائد، و ظلم الحاكم و الحاشية و يقوم علي التجميع و الحشد للأفراد، و انضمامهم للجماعة، دون تأصيل يذكر للقضايا المطروحة.
كل ذلك و غيره كان يسير من منطلق أن الجماعة جزء و كيان ينبثق عن السلطة الحاكمة والمجتمع، تحاول فقط إصلاح الخلل، لا تغييره، أي كل هؤلاء مسلمين مكتملي الإيمان و نحن منهم ينقصهم سد النقص الكائن في الجسم و محاولة علاجه.
و استدلالا لذلك نقول بعض الأمثلة، وغيرها كثير أكثر من أن تعد أو تحصى:
أ- الإمام البنا تحت عنوان (حامي المصحف) مخاطبا الملك فاروق:".. و أن الله قد اختار لهذه الهداية العامة فاروق ، فعلى بركة الله يا جلالة الملك و من و رائك من جنودك".(5)
و تحت عنوان :" الفاروق يحيي سنة الخلفاء الراشدين" نشرت مجلة النذير في عددها الصادر في 15 رمضان 1357الموافق 1938م .
و في مجلة الدعوة(6) :".. عيد الجلوس الملكي ، تحتفل مصر اليوم بعيد الجلوس حضرة صاحب الجلالة الملك و إلى الأسرة المالكة أجل تهانينا".
و عقد الإخوان مؤتمرهم الرابع عام 1937 بمناسبة تتويج فاروق خلفا لوالده وللاحتفال بهذه الذكرى".(7)
هذا و غيره كثير يعطي صورة لمدى الولاء و المداهنة للسلطة و على رأسها الملك فاروق، رغم ما اشتهر عنه من الفساد و الانحلال.
و لا شك أن الولاء و الرابطة – من باب أولى- بينهم وبين الناس أقوى و أعظم من ذلك بكثير، و هم جزء لا يتجزأ من هذا الكيان، يدعون لاستكمال النقص الغائب عن الناس و غالبا في أمور فرعيات.
2- التأصيل والتميز:
و هذا الرأي للاتجاه الفكري عند الأستاذ حسن البنا و هو عكس الأول حيث أن الدعوة قائمة على أساس التأصيل الشرعي و استيفاء الشروط الأساسية في الإسلام و قائمة على أساس التميز عن سلطة الدولة و كيان المجتمع و يستند أصحاب هذا الرأي لعدة أمور لإثبات ذلك:
أ- أن الأستاذ البنا رحمه الله بدأ بتكوين جماعة لها كيان و هيكل مستقل عن الدولة يباشر الدعوة من خلاله و لو كان ينظر خلاف ذلك لتولى الدعوة من خلال أجهزة السلطة كالأوقاف أو الأزهر أو حتى منفردا بعيدا عن ذلك و أكثر من هذا فهو يأخذ من الأفراد البيعة له ومن غير المقبول أن كان جزأًً من الدولة أن يفعل ذلك .
ب-أنه كان يدعو دعوة شاملة للإسلام ،وليس لإصلاح العيوب أو استكمال النقص :"إذا قيل لكم إلام تدعون؟فقولوا ندعو إلي الإسلام الذي جاء به محمد صلي الله عليه وسلم"(8).
ج-قام بإعداد وتدريب المتطوعين وإرسالهم لفلسطين لحرب اليهود هناك،دون إذن أ ومراجعة من الدولة مما يدل علي أن جماعته ذات كيان مستقل عن الدولة،وأمثلة أخري كثيرة.
3-الجمع بين الاتجاهين:
أما الرأي الثالث فيجمع بين الاتجاهين السابقين .
أي أن الأصل هو الأخذ باتجاه التأصيل والتميز الثاني ،وعلي أساسه يبني سياسته ويوجه جماعته،ويربي أفرادها ويسير بأجهزتها .
وهو قد يكون أخذ بالاتجاه الأول إما لقرب إما لقرب عهد الناس بالخلافة العثمانية وارتباطهم بها ،وشيوع روح الإسلام بأحكامه ونظامه الذي كان يسود أرجاء الخلافة العثمانية والفترة الزمنية بين سقوط الخلافة وبداية نشأة الجماعة يسيرة.
أو أنه بدأ بهذه الدعوة العامة مع بداية النشأة كستار إخفاء جدية الجماعة وتوجهاتها ،والتربية الجادة علي النبع الصافي ،حتى لا تكال الضربة أو الضربات لها ،فآثر ذلك للتغطية على جوهر ومعدن الجماعة،بدليل تكوين الجهاز الخاص في الثلاثينيات وتحت إشرافه هو ،ومما يؤكد صحة هذا التوجه ما كتبه الشيخ البنا ونشر بجريدة "الإخوان المسلمون"(9)وهو يفصح وبصراحة واضحة عن هذا المعتقد دون مواربة أو لبس ،ولعله قد رأي أن الوقت قد حان للإعلان عن الوجه الحقيقي للجماعة والفهم الواضح الصريح يقول عنوان "معركة المصحف":
..الإسلام دين دولة ما في ذلك شك،ومعني هذا التعبير بالقول الواضح أن الإسلام شريعة ربانية،جاءت بتعاليم إنسانية وأحكام اجتماعية،وكلت حمايتها ونشرها والإشراف على تنفيذها بين المؤمنين بها ،وتبليغها للذين لم يومنوا بها إلي الدولة ،أي إلي الحاكم الذي يرأس جمعة المسلمين ،ويحكم أمتهم ،وإذا قصر الحاكم في حماية هذه الأحكام لم يعد حاكماً إسلامياً ،وإذا أهملت شرائع الدولة هذه المهمة لم تعد دولة إسلامية ،وإذا رضيت الجماعة أو الأمة الإسلامية بهذا الإهمال –ووافقت عليه-لم تعد هي الأخرى إسلامية،مهما ادّعت ذلك بلسانها !،وإن من شرائط الحاكم المسلم أن يكون في نفسه متمسكاً بفرائض الإسلام ،بعيداً عن محارم الله،غير مرتكب للكبائر ،وهذا وحده لا يكفي في اعتبار الحاكم مسلماً ،حتى تكون شرائط دولته ملزمة إياه بحماية أحكام الإسلام بين المسلمين ،وتحديد موقف الدولة منهم بناءً علي موقفهم –هم-من دعوة الإسلام"
إلا انه رغم هذا الوضوح والصراحة في القول لم يدرك من عايشه وعاصره والذين لا زال منهم من هو علي قيد الحياة،لم يدركوا ولم يستوعبوا مقصد الرجل،ويحولوا أفكارهم ومن جاء بعدهم إلي التوجه الصحيح في هذا القول ،ويربوا عليه ويعملوا في ضوئه،ويرفضوا أي قول أو توجه يوافق التوجه الأول الذي ساروا عليه ولا يرضوا بغيره سواه .
ولم يقتصر الأمر علي إدراك واستيعاب الفهم ،بل ما ينبني منه ،أو التصرف في ضوئه سواء في التعامل مع الناس أو في التعامل مع السلطة أو النظر والتقييم لأيهما ،واختلطت بتاء علي ذلك الأمور وتداخلت الخطوط ،والأمثلة بعد مقتله رحمه كثيرة أو في السنوات الأخيرة كذلك إلي يومنا هذا.
يقول الضابط حسين حمودة،وهو من ضباط الإخوان الذين اشتركوا في انقلاب 23 يوليو"..وقد حضر كاتب هذه السطور شخصياً عدّة أجتماعات في منزل الملحق العسكري الأمريكي بالزمالك مع جمال عبد الناصر ..وهذه الاتصالات الأمريكية كانت عام" 1950-1952"(10).
كيف يقبل شخص ينتمي لحركة إسلامية الاجتماع مع ملحق عسكري أمريكي وهو ضابط مصري بالقوات المسلحة أو يكون مع عبد الناصر في هذا اللقاء المشبوه.
لو انه تربي في الجماعة علي الفهم الواضح السليم ما كان قبل ذلك،أوعلي أقل تقدير إبلاغ قيادة الجماعة بذلك.
وقد يقال عن هذا التصرف أنه تصرف شخصي من هذا الضابط لا يعبر عن توجهه الفكري ،لذلك نسوق هذا المثال الصارخ لتصرف قمة الهرم في قيادة الجماعة وهم أعضاء مكتب الإرشاد جميعاً،باستثناء المرحوم صلاح شادي حيث ذكر المرحوم حسن العشماوي في مذاكرته (الأيام الحاسمة)في عدة مواضع من هذه المذاكرات علمه هو وإخوانه فريد عبد الخالق ،وصالح أبو رقيق ،عبد القادر حلمي بصلة جمال عبد الناصر باليهود والأمريكان ،وكانوا يجتمعون معه قبل الثورة ويناقشون التخطيط للثورة معه ،أين عقيدة الولاء والبراء ؟بل أين الوعي السياسي لإدراك الأمور واستيعاب المواقف؟
هكذا كان الموقف الفكري عند الإمام البنا وانتهي إلي ما أوضح قبل اغتياله بشهور.
وهكذا انتهي الأمر مع قيادة الجماعة وأفرادها وهو الأخذ بالاتجاه الفكري الأول والعض عليه بالنواجذ،وعدم قبول أي توجه آخر ،وهو ما سارت الجماعةبعد ذلك إلي يومنا هذا،ولعل ما ساعد علي ذلك قلة أو نضب العلم الشرعي المرتكز علي أهل العلم من أهل السنةوالجماعة ،وتأصيل القضايا وفق علمهم وآرائهم خاصة ابن تيمية وابن القيم وأحمدبن حنبل ومن جاء بعدهم أمثال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالي ومن سار علي دربهم إلي يوم الدين.
هذا إلي جانب أن هذا الاتجاه ميسر للنفس ولا يترتب عليه متاعب تذكر مثل الاتجاه الثاني الذي أودي بحياة فضيلة المرشد رحمه الله تعالي.
أما الأمر الثالث والهام الذي ساعد علي أن تسلك الجماعة مسلك الاتجاه الواحد الملزم ارتكازاً علي أمر السمع والطاعة هو شخصية القائد الأول للجماعة الإمام البنا رحمه الله ،فشخصية الأستاذ البنا شخصية قوية ،كانت تتسم بالمزايا المؤثرة التي تفوق من حوله بكثير جداً،ومن ذلك الانقياد الكبير له وفق أمر السمع والطاعة،وقد وُضع هذا الأمر "السمع والطاعة"في الجماعة موةضع الأهتمام والتنفيذ ،وعلي أساس إذا ما وصلوا إلي قرار (11) فهو ملزم للجميع أفراد الجماعة حتي ولو كان في هذا الأمر في الأمور "الأعتقادية والعقدية"،وما علي أفراد الجماعة إلا السمع والطاعة دوم نقاش أو حتى مشاورة وهكذا تلغي العقول ،وهكذا سارت قضية التربية في مناهجهم علي إعداد جنود ملتزمين للقائد أو المسئولين في الحركة دون حوار أو مشورة أو مراجعة ،قال صلي الله عليه وسلم "إنما الطاعة في المعروف "(12).
وأخيراً وفي نهاية مبحثنا الذي لم يكن يهدف إلا للنصح والعرض العلمي للمفاهيم الصحيحة ،لعل الجماعة متمثلة في الجيل الوسيط "الستينات والسبعينات"وكثير منهم في الصدارة الآن ،أن يراجعوا أنفسهم والمنهج والمسلك الذي تسير عليه الجماعة قديماً وحديثاً،وهي ضبط الأمور بالضوابط الشرعية الراجحة والاستعانة بأهل العلم وارأي من داخل الجماعة ومن خارجها لضبط المسيرة وتقويم الخلل،وهذا الأمر إن فٌعل من قبِل الجماعة فبلاشك سيرفع قدرها وشانها بين الناس والملتزمين إن شاء الله تعالي لأنها تكون بذلك تُعلن رآية "القبول والانصياع للحق"دون إتباع الرجال والأهواء دون دليل شرعي أومستند من كتاب الله وسنته .
قال تعالي { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (يوسف:108).
الهوامش :
1-راجع كتاب "الانحرافات العقدية والعلمية" للدكتور علي بن بخيت الزهراني ،طباعة وتوزيع دار الصفوة القاهرة.
2-د.محمد محمد حسين "الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر"ج2/37.
3-مرجع سابق ج1 باب تيارات سياسية.
4-"حسن البنا..الملهم الموهوب"عمر التلمساني.
5-الإخوان المسلمين العدد 1356 في 9/2/1973م.
6-12 شعبان 1371 هـ،الموافق 6/5/1937م.
7-مذكرات الدعوة والداعية ص 235.
8-الإمام حسن البنا بين الأمس واليوم ص163.
9-العدد 637 بتاريخ رجب 1367 هـ الموافق 16/5/1948.
10-أسرارحركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمون ص88.
11-محمد قطب –واقعنا المعاصر.
12-"بطالة العقول"–موقع نور الحق www.nour alhaq.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تاريخ الدعوة | السمات:تاريخ الدعوة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























